الشريف الرضي

64

المجازات النبوية

ووطئتنا وطئا على حنق ( 1 ) * وطأ المقيد نابت الهرم ( 2 ) وإنما قال المقيد لان وطأه أشد واعتماده أثقل . وقال الآخر : * وطئنا تميما وطأة المتشاغل * وقوله عليه الصلاة والسلام في أول الحديث : " إنكم لتجبنون وتبخلون وتجهلون " ، يريد به أنكم لتجبن الناس آباءكم وتبخلهم وتجهلهم ( 3 ) . فأضاف هذه الأحوال إلى الأبناء إذ كانوا شبها للآباء وهذا أيضا مجاز ثالث في الخبر الذي كلامنا عليه ( 4 ) . 38 - ومن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : " لو يعلمون ما يكون في هذه الأمة من الجوع الأغبر ، ومن الموت الأحمر " .

--> ( 1 ) الحنق : الغيظ أو شدته ، والمغيظ إذا وطئ من أحنقه يكون وطؤه شديدا جدا . ( 2 ) الهرم : يابس الحطب ، وإذا وطئه المقيد ووطئه شديد هشمه هشما . ( 3 ) هذا التفسير يناسبه ضبط الافعال بالبناء للمفعول لا للفاعل ، والأصل : ليجبنكم الناس ويبخلونكم ويجهلونكم ، فلما حذف الفاعل وهو الناس استند الفعل إلى المفعول به ، والناس لا يجبنون الأولاد وإنما يجبنون آباءهم لأنهم لخوفهم عليهم يبتعدون عن الحرب ويحرصون على المال ، ويقضون أوقاتهم في طلب الرزق ، فلا يسعون إلى العلم ، وقوله إذ كانوا شبها للآباء ، فيه حذف وتحريف ، والأصل إذ كانوا سببا لجبن الآباء ، وقد ورد الحديث بالروايتين . ( 4 ) هذا المجاز الثالث ، مجاز عقلي حيث أسند الفعل إلى سببه وهو الأبناء ، لان الضمائر التي هي واوات الجماعة في الافعال الثلاثة عائدة إلى الأبناء ، والأبناء لا ينسبون للجبن وإنما ينسب آباؤهم إليه بسببهم ، أما على ضبط الافعال بالبناء للفاعل فالكلام حقيقة لا مجاز فيه ، لان الأبناء يجبنون آباءهم ويجهلونهم ، فالأبناء هم المسند إليهم في الحقيقة ونفس الامر .